السنهوري:التقنين المدني و صلته بالفقه الاسلامي


الفقه الإسلامى أصبح مصدراً رسمياً للقانون المدنى :

وقد نصت المادة الأولى من التقنين الجديد على أنه (( إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة )) .
ويتبين من ذلك أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرسمى الثالث للقانون المدنى المصرى . وهى إذا أتت بعد النصوص التشريعية والعرف ، فإنها تسبق مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . ولا شك فى أن ذلك يزيد كثيراً فى أهمية الشريعة الإسلامية ، ويجعل دراستها دراسة علمية فى ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب ، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية . فكل من الفقيه والقاضى أصبح الآن مطالبا أن يستكمل أحكام القانون المدنى ، فيما لم يرد فيه نص ولم يقطع فيه عرف ، بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامى .

ويجب عليه أن يرجع إلى هذه الأحكام قبل أن يرجع إلى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . بل لعل أحكام الشريعة الإسلامية ، وهى أدق تحديدا وأكثر انضباطا من مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة ، هى التى تحل محل هذه المبادئ والقواعد، فتغنينا عنها فى كثير من المواطن (الى الهامش ) .


(الهامش) هذا هو الحد الذى وصل إليه التقنين الجديد فى الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ، عدا المسائل الأخرى التى أخذها بالذات من الفقه الإسلامى ، وهى المسائل التى تقدم ذكرها .
أما جعل الشريعة الإسلامية هى الأساس الأول الذى يبنى عليه تشريعنا المدنى ، فلا يزال أمنية من أعز الأمانى التى تختلج بها الصدور ، وتنطوى عليها الجوانح . ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة ، ينبغى أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية فى ضوء القانون المقارن . ونرجو أن يكون من وراء جعل الفقه الإسلامى مصدراً رسمياً للقانون الجديد ما يعاون على قيام هذه النهضة .
وقد حاول بعض رجال القانون أن يستبقوا الحوادث ، فدرسوا الشريعة الإسلامية دراسة سطحية فجة لا غناء فيها ، وقدموا نموذجا يشتمل على بعض النصوص فى نظرية العقد ، زعموا أنها أحكام الشريعة الإسلامية ، وهى ليست من الشريعة الإسلامية فى شيء . ودار فى شأن هذه النصوص حوار عنيف فى لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ .
( أنظر فى تفصيل هذه المسألة مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 85 – 89 ) .


hr-lines- wordpresspages_10الفقه الإسلامى

أولا – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر-  1- القديم من الفقه الإسلامى الذى استبقاه التقنين الجديد ،2- الجديد من الفقه الإسلامى الذى استحدثه التقنين الجديد .

ثانياً – كيف تفسر النصوص التي استقيت من الشريعة الإسلامية وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً .


أولا – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :فاصل

للفقه الإسلامى مكان ملحوظ بين المصادر الثلاثة التى استقى منها تنقيح القانون المدنى . فقد استبقى التقنين الجديد ما اشتمل عليه التقنين القديم من أحكام أخذه عن الفقه الإسلامى . واستحدث أحكاماً جديدة أخذها عن هذه الفقه . وجعل ، بعد ذلك كله ، الفقه الإسلامى مصدراً رسمياً للقانون المدنى ، يأتى بعد النصوص التشريعية والعرف ، ويتقدم مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة (الى الهامش ) .


( الهامش) وهذا ما كتبته لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ فى تقريرها فى هذا الصدد : (( وتبينت اللجنة كذلك أن المشروع اعتمد على الشريعة الإسلامية إلى حد بعيد بين مصادره ، فجعلها مصدراً عاماً يرجع إليه القاضى إذا لم يجد حكماً فى التشريع أو العرف ، وجعلها مصدراً خاصاً لطائفة لا يستهان بها من أحكامه . ولا ينكر ما للفقه الإسلامى من مكانة رفيعة بين مذاهب الفقه العالمى ، فكيف وقد كان ولا يزال معتبراً القانون العام فى كثير من المسائل فى مصر . وفى نقوية الصلة بين المشروع وأحكام الشريعة إبقاء على تراث روحى حرى بأن يصان وأن ينتفع به . واللجنة تسجل ما صادفت فى المشروع من أحكام أخذت عن الشريعة الإسلامية كالأحكام الخاصة بنظرية التعسف فى استعمال الحق وحوالة الدين ومبدأ الحوادث غير المتوقعة . وهذه الأحكام جميعاً تتضمن من القواعد ما يعتبر شاهداً من شواهد التقدم فى التقنينات الغربية ، وإن كان فقهاء الشريعة قد فطنوا إلى ما حدث من أحكام وأحكموا سبكه وتطبيقه على ما عرض فى عصورهم من أقضية لقرون خلت قبل أن يخطر شئ من ذلك ببال فقهاء الغرب أو من تولوا أمر التشريع فيه . ونقل المشروع أيضاً عن الشريعة الإسلامية طائفة من الأحكام التفصيلية يكفى أن يشار فى صددها إلى ما تعلق بمجلس العقد وإيجار الوقف والحكر وإيجار الأراضى الزراعية وهلاك الزرع فى العين المؤجرة وانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه بالعذر . هذا إلى مسائل أخرى كثيرة سبق أن اقتبس التقنين الحالى أحكامها من الشريعة الإسلامية ، وأبقاها المشروع ، كبيع المريض مرض الموت والغبن وتبعة الهلاك فى البيع وغرس الأشجار فى العين المؤجرة والعلو والسفل والحائط المشترك . أما الأهلية والهبة والشفعة والمبدأ الخاص بألا تركة إلا بعد سداد الدين فقد استمد المشروع أحكامها من الشريعة الإسلامية ، وهى أحكام لها أهميتها فى الحياة العملية . وفى حدود هذا المصدر الثانى كان مسلك المشروع قويماً ارتاحت إليه اللجنة وآنست فيه اتجاهاً إلى تقدير ما للفقه الإسلامى من مزايا أدركها علماء الغرب منذ زمن بعيد ، وبقى على دول الشرق أن تحلها المحل الخليق بها وأن تعبر عملياً عن اعتزازها بها وحرصها على استدامتها . ولعل من نافلة القول أن يشار إلى أن هذا المسلك أمعن فى رعاية ما للماضى من حرمة ، وأبلغ فى قضاء حق القدماء الذين تعهدوا الفقه الإسلامى باجتهادهم ، وأسبغوا على أحكامه من المرونة ما جعلها تتسع لما درج الناس عليه فى معاملاتهم . ولا ترى اللجنة فى الرجوع إلى الشريعة الإسلامية على هذا الوجه أي مساس باستقرار المعاملات ، بل ترى فيه تمكيناً لأسباب الاستقرار من طريق تقصى التقاليد الصالحة التى ألفها المتعاملون فى البلاد منذ مئات السنين )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 131 – ص 132 ) .


hr-lines- wordpresspages_10
1- القديم من الفقه الإسلامى الذى استبقاه التقنين الجديد :
2- الجديد من الفقه الإسلامى الذى استحدثه التقنين الجديد .
فاصل

1- القديم من الفقه الإسلامى الذى استبقاه التقنين الجديد :

كان التقنين القديم يشتمل على أحكام أخذها عن الفقه الإسلامى ، فاستبقاه التقنين الجديد بعد التقنين الجديد بعد أن هذب النصوص القديمة وصحح ما انطوت عليه من أخطاء .
فيبع المريض مرض الموت ، والأهلية ، والشفعة ، والهبة ، وسداد الدين قبل إيلولة التركة للورثة ، والغبن فى بيع القاصر ، وخيار الرؤية ، وتبعة الهلاك فى البيع ، وغرس الأشجار فى العين المؤجرة ، والأحكام المتعلقة بالعلو والسفل ، وبالحائط المشترك ، ومدة التقادم ، كل هذه موضوعات اشتمل عليها التقنين القديم واستبقاها التقنين الجديد بعد أن هذبها وصحح فيها .
وقد هذب التقنين الجديد بوجه خاص الأحكام المتعلقة بتصرفات المريض مرض الموت وبالهبة وبسداد الدين قبل أيلولة التركة للورثة .
فقد صحح النصوص الخاصة ببيع المريض مرض الموت من الأخطاء التى تسربت إليها فى التقنين القديم إذ جعل العبرة بالقدر المحابى به لا بقيمة المبيع ، ونظر إلى قيمة المبيع وقت الموت لا وقت البيع . ولم يقتصر من تصرفات المريض على البيع ، بل أورد فى النصوص المتعلقة . بالوصية أحكاماً تناولت تصرفات المريض بوجه عام نقلها عن الفقه الإسلامى والقضاء المصرى . فنصت المادة 916 على أن : (( 1- كل عمل قانونى يصدر من شخص فى مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع ، يعتبر مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية أيا كانت التسمية التى تعطى لهذا التصرف . 2- وعلى ورثة من تصرفوا أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا .
3- وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادرا على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . ونصت المادة 917 على أنه : (( إذا تصرف شخص لأحد ورثته ، واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التى تصرف فيها وبحقه فى الانتفاع بها مدى حياته ، اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية ، ما لم يقم دليل يخالف ذلك )) .
كذلك فعل التقنين الجديد فى عقد الهبة . فقد نقل أحكام التقنين القديم المتعلقة بها . ولم يكتف بذلك ، فإن هذه الأحكام كانت مقتضبة ، وكانت مقصورة على الشكل دون الموضوع ، فأورد أحكام الهبة كاملة من حيث شكلها ومن حيث موضوعها . واستمد الأحكام الموضوعية من الفقه الإسلامى .
ولم يقتصر التقنين الجديد على الأخذ بالمبدأ القاضى بألا تركة إلا بعد سداد الدين – وقد كان التقنين القديم يجعل المبدأ مفهوماً فى ثنايا نصوصه – بل عمد إلى هذا المبدأ الخطير فنظمه تنظيما دقيقاً وفصل الإجراءات التى تكفل تطبيقه ، وهى إجراءات عملية كانت الحاجة إليها ملحة ، فسد بذلك فراغاً كبيراً .


hr-lines- wordpresspages_102- الجديد من الفقه الإسلامى الذى استحدثه التقنين الجديد :
وقد استحدث التقنين الجديد أحكاماً أخرى استمدها من الفقه الإسلامى .
وبعض هذه الأحكام العامة التى أخذ بها النزعة الموضوعية التى نراها تتخلل كثيراً من نصوصه . وهذه هى نزعة الفقه الإسلامى والقوانين الجرمانية ، آثرها التقنين الجديد على النزعة الذاتية التى هي طابع القوانين اللاتينية ، وجعل الفقه الإسلامى عمدته فى الترجيح .
ومن هذه المبادئ أيضاً نظرية التعسف فى استعمال الحق . لم يأخذها التقنين الجديد عن القوانين الغربية فحسب، بل استمدها كذلك من أحكام الفقه الإسلامى . ولم يقتصر فيها على المعيار الشخصى الذى اقتصرت عليه أكثر القوانين ، بل ضم إليها معياراً موضوعياً فى الفقه الإسلامى يقيد استعمال الحق بالمصالح المشروعة وبتوفى الضرر الجسيم الذى قد يصيب الغير من استعماله .
وكذلك الأمر فى حوالة الدين ، أغفلتها القوانين اللاتينية ، ونظمتها القوانين الجرمانية متفقة فى ذلك مع الفقه الإسلامى . فأخذ بها التقنين الجديد .
ومبدأ الحوادث الطارئة (imprevision) أخذ به بعض التقنينات الحديثة . فرجح التقنين الجديد الأخذ به استناداً إلى نظرية الضرورة ونظرية العذر فى الفقه الإسلامى .
ومن الأحكام التى استحدثها التقنين الجديد مسائل تفصيلية كما قدمنا ، اقتبسها من الفقه الإسلامى . ومن هذه المسائل الأحكام الخاصة بمجلس العقد . وبإيجار الوقف ، وبالحكر ، وبإيجار الأراضى الزراعية ، وبهلاك الزرع فى العين المؤجرة ، وبانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر ، وبوقوع الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده .

hr-lines- wordpresspages_10
ثانياً – كيف تفسر النصوص التي استقيت من الشريعة الإسلامية وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً .


 
أما النصوص التى نقلها التقنين الجديد عن الشريعة الإسلامية ، فأصبحت نصوصاً تشريعية وأصبح الفقه الإسلامى مصدراً تاريخياً لها ، فهذه نرجع فى تفسيرها إلى مصدرين رئيسيين :
المصدر الأول – هو القضاء المصرى فيما يوجد له تفسير فى هذا القضاء . والقضاء المصرى غنى بالمبادئ والأحكام فى موضوعات كمرض الموت والشفعة والحكر وإيجار الوقف . فعلى من يفسر نصوص القانون الجديد الواردة فى هذه الموضوعات وأمثالها أن يرجع إلى هذا القضاء فيما استقر عليه من المبادئ .
والمصدر الثانى – هو ما جاء فى كتب الفقه الإسلامى ، وبخاصة فى تفسير ما لا يوجد له تفسير فى القضاء المصرى . والرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة واجب أيضا عندما يراد استخلاص الأحكام من الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً رسميا للقانون المدنى .
وفى رأينا أنه حيث ينبغى الرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة ، سواء أكان هذا الفقه هو المصدر الرسمى التى تستمد منه الأحكام أم كان هو المصدر التاريخى الذى تفسر فى ضوئه النصوص التشريعية ، يجب أن يراعى أمران جوهريان :
الأمر الأول – هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامى . فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها . ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفى فى جملته . ولعلنا نذهب إلى مدى أبعد ، فنقول أنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة ، فهناك مذاهب أخرى ، كمذهب الزيدية ومذهب الإمامية ، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد .
والأمر الثانى – هو أن يراعى فى الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع المدنى فى جملته . فلا يجوز الأخذ بحكم فى الفقه الإسلامى يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ ، حتى لا يفقد التقنين المدنى تجانسه وانسجامه . وفيما قدمناه من الرخصة فى الأخذ بمذاهب الفقه جميعا ، دون تمييز بين مذهب ومذهب ، ما يجعل تحقيق هذا التنسيق ميسوراً ، فلا يضل الباحث فى تفصيلات الفقه الإسلامى ، ولا يختار منها إلا ما يتسق مع المبادئ العامة للتشريع المدنى (الى الهامش ) .


( الهامش) وفى محاولة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية عن دراسة سطحية لا تعمق فيها ، وهى المحاولة التى أشرنا إليها فيما تقدم ، ظن واضعو النموذج الذى سبق ذكره أن نظرية عيوب الرضاء ونظرية البطلان ونظرية السبب ونظرية الفسخ هى نظريات يمكن الأخذ بها كما هى مبسوطة فى القوانين الحديثة مع نسبتها إلى مذاهب فى الفقه الإسلامى تتعارض معها كل التعارض . وبديهى أن الشريعة الإسلامية لا تخدم عن طريق أن ينسب إليها ما ليس منها ، وإنما تخدم عن طريق دراستها دراسة علمية صحيحة ، وأول شرط لهذه الدراسة هى الأمانة العلمية . ولا يعيب الشريعة الإسلامية أنها لا تطاوع فى بعض نظرياتها ما وصل إليه القانون الحديث من نظريات معروفة ، ولكن يعيبها أن تشوه مبادئها وأن تمسخ أحكامها .