السنهوري:التقنين المدني والمعايير المرنة وسلطة القاضي التقديرية


المعايير المرنة وسلطة القاضي التقديرية في القانون المدني   – وفوق كل ذي علم عليم  – هاهي وصفة شاملة جامعة جمعها  السنهوري  في استهلاله عملاقه الوسيط  -نعيد عرضها عليكم

يهدف التقنين الجديد إلى أن يكون قانوناً حياً عمليا . والقانون الحي العملي ينبغي أن يحمل في طياته عوامل التطور حتى يبقى حياًً ، وعوامل الاستقرار حتى يكون عملياً .

عوامل التطور في التقنين الجديد :

أهم هذه العوامل هي هذه المعايير المرنة التي جعلها التقنين الجديد في مكان القواعد الجامدة ، وهذه السلطة التقديرية الواسعة التي أعطاها للقاضي .


1 – المعايير المرنة :

ورث التقنين الجديد عن التقنين القديم بعض القواعد الجامدة التي لم يكن هناك بد من الاحتفاظ بها . مثل ذلك:

أمثلةالقواعد الثابتة(الجامدة) في التقنين المدني مايلي:

  1. الغبن في بيع عقار لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وقد قدر بما يزيد على خمس قيمة العقار ( م 425 ) ،
  2. والفوائد القانونية والاتفاقية وقدر لها سعر معلوم لا تجاوزه ( م 226 – 227 ) ،
  3. والقاعدة التي تقضي بأنه إذا عدل من دفع العربون فقده وإذا عدل من قبضه رد ضعفه ( م 103 فقرة 2 ) وقد نقلها التقنين الجديد عن القضاء والعرف ،
  4. والقاعدة التي استحدثها من جواز نقض عقد القسمة إذا لحق أحد المتقاسمين غبن يزيد على الخمس ( م 845 ) . هذه القاعدة الجامدة التي تضع للمسألة حلا واحداً ثابتاً لا يتغير مهما تغيرت الظروف والملابسات ، والتي تقف في بعض المسائل عند رقم معلوم لا تحيد عنه ، قد نكون في حاجة إليه في قليل من الحالات لاستقرار التعامل وثباته على وتيرة واحدة . ولكن لا يجوز الاستكثار من مثل هذه القواعد الجامدة فإنها تقف عقبة في طريق التطور . وخير منها معايير مرنة يضعها المشرع هادياً للقاضي ، يسترشد بها هذا فيما يعرض له من الأقضية ، ولا يتقيد فيها بحل واحد لا ينحرف عنه ، بل تتغاير الحلول وتتفاوت بتغير الظروف وتفاوت الملابسات ( [1] ) .

وهذا مثل لمعيار مرن استبدله التقنين الجديد بقاعدة جامدة كانت موجودة في التقنين القديم . فقد كانت المواد 291 – 292 / 364 – 366 من التقنين القديم تنص على جواز فسخ البيع إذا وقع على أشياء بيعت جملة واحدة ثم ظهر إنها اقل من القدر المتفق عليها أو أكثر . ثم نصت المادتان 292 / 367 من هذا التقنين على أنه لا يجوز للمشتري فسخ البيع في هذه الأحوال ” إلا إذا كان الغلط زائداً على نصف عشر الثمن المعين ” .
فنبذ التقنين الجديد هذه القاعدة الجامدة التي تقف عند نسبة معينة من الثمن ، واستبدل بها معياراً مرناً ، إذ نص في الفقرة الأولى من المادة 433 على أنه ” لا يجوز للمشتري أن يطلب فسخ العقد لنقض في المبيع إلا إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث أو انه كان يعلمه لما أتم العقد ” . وكذلك يكون الحكم فيما لو وجد المبيع زائداً على المقدار المتفق عليه ( م 433 فقرة 2 ) .

وظاهر أن المعيار الجديد يفضل القاعدة القديمة ، إذ به يتمكن القاضي من الملاءمة ما بين ظروف كل قضية والحل القانوني الذي يناسبها ، فقد يكون النقص أو الزيادة في المبيع أكثر من نصف العشر ويرفض القاضي أن يحكم بفسخ العقد ، وقد يكون اقل ويجيب القاضي المشتري إلى طلب الفسخ ، وذلك كله تبعاً للملابسات والظروف في كل قضية بذاتها .


وقد أكثر التقنين الجديد من هذه المعايير المرنة إذ هي من أهم عوامل التطور . ونذكر هنا بعضا منها .

  1. فمن ذلك معيار الجوهري ، وقد عرفته المادة 121 بأنه الغلط الذي يبلغ حدا ، الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط . وظاهر أن هناك فرقاً كبيرا بين هذا المعيار المرن وبين القاعدة القديمة التي كانت تشترط أن يكون الغلط واقعاً في مادة الشيء .
    ومن ذلك أيضاً معيار التدليس الجسيم ، وقد قضت الفقرة الأولى من المادة 125 بأنه يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد .
  2. ومثل معيار التدليس الجسيم معيار الرهبة القائمة على أساس ، إذ تقضي المادة 127 بأنه يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس ، وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعيها أن خطراً جسيماً محدقاً يهدده هو أو غيره في النفس الو الجسم الو الشرف أو المال .
  3. وفي الاستغلال اتخذ التقنين الجديد معيار التأثير الدافع إلى التعاقد ، فلا يتحقق الاستغلال إلا إذا تبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بينا أو هو جامحاً ( م 129 فقرة أولى ) .
  4. وكذلك في السبب اتخذ التقنين الجديد معيار الباعث الدافع إلى التعاقد وإن كان لم يصرح به في النص .
  5. وفي جواز الرجوع في الهبة اتخذ معيار العذر المقبول ، فأجاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع متى كان يستند في ذلك إلى عصر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع ( م 500 فقرة 2 ) .

كل هذه معايير مرنة تتفاوت الحلول التي تؤدي إليها بتفاوت الظروف التي تطبق فيها ، وبخاصة إذا لوحظ أن جميع المعايير التي ذكرناها هي معايير ذاتية يراعي في تطبيقها حالات نفسية يكشف عنها القاضي في كل شخص بذاته ، وقد صرحت بهذا المعنى الفقرة الثالثة من المادة 127 في صدد الإكراه ، فقضيت بأنه ” ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه ” . وسنرى أن هناك معايير أخرى موضوعية في التقنين الجديد تجمع بين مرونة المعيار وثبات القاعدة .hr-lines- wordpresspages_10

2 – سلطة القاضي التقديرية :

وعامل آخر في التقنين الجديد يفسح أمامه المجال للمرونة والتطور ، هو هذه السلطة التقديرية الواسعة التي جعلها للقاضي . رأيناها في تطبيق هذه المعايير المرنة التي تقدم ذكرها ، ونراها الآن فيما فوض فيه القاضي من تطبيق أحكام القانون وفقاً للمناسبات ، وما أعطي في ذلك من سلطة تقديرية ، تصل به في بعض الحالات إلى استكمال ما فات المتعاقدين أن يتفقا عليه ، بل والى تعديل ما تم عليه الاتفاق فيما بينهما . وإذا كان التقنين الجديد لم يبلغ في ذلك مدى ما بلغ التقنين السويسري إذ جعل القاضي مشرعاً فيما لم يرد فيه نص ، بل وقف عند حدود معقولة تمنع من الخلط بين وظيفة التشريع ووظيفة القضاء ، إلا انه مع ذلك سار شوطاً بعيداً في سبيل أن يجعل للقاضي من سلطان التقدير ما ييسر له أن يجعل أحكام القانون متمشية مع مقتضيات الظروف . فتكون أحكام القانون بذلك أداة طيعة في يد القاضي يطور بها القانون تطويراً مستمراً ، ويواجه بها ما يتغير من ملابسات وأحوال .


ونورد أمثلة لما اشتمل عليه التقنين الجديد من نصوص تجعل للقاضي هذه السلطة التقديرية ، وهي سلطة تمكنه في بعض الحالات من أن يستكمل شروط العقد وان يعدل فيها عند الاقتضاء .


فمن النصوص التي تفسح للقاضي من سلطاته التقديرية ، هذه التي تجعل له حرية واسعة في تقدير التعويض المستحق للشخص المضرور ،

  1. وذلك في حالة الدفاع الشرعي ، فمن جاوز في هذا الدفاع القدر الضروري أصبح ملزماً بتعويض تراعي فيه مقتضيات العدالة ( م 166 ) ،
  2. وفي حالة الضرورة ، فمن سبب ضررا للغير ليتفادى ضرراً أكبر لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً ، ( م 168 ) ،
  3. وفي تحديد طريقة التعويض ، فيعين القاضي هذه الطريقة تبعاً للظروف ، ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون إيراداً مرتباً ويقدر بالنقد ، على انه يجوز للقاضي تبعاً للظروف وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن يحكم بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع ( م 171 ) .
  4. ويقدر القاضي ، عند عدم النص ما إذا كان هناك التزام طبيعي ( م 200 ) .
  5. وللقاضي أن يعين الميعاد المناسب لحلول أجل الدين إذا كان لوفاء مشترطاً عند المقدرة أو الميسرة ( م 272 ) .
  6. وله أن ينظر المدين إلى أجل معقول أو آجال ينفذ فيها التزامه ( م 346 فقرة 2 ) .
  7. وله أن يمنع توجيه اليمين الحاسمة إذا كان الخصم متعسفاً في توجيهها ( م 410 فقرة 1 ) .
  8. وإذا التصق منقولان لمالكين مختلفين بحيث لا يمكن فصلها دون تلف ولم يكن هناك اتفاق بين المالكين ، قضت المحكمة في الأمر مسترشدة بقواعد العدالة ، ومراعية في ذلك الضرر الذي حدث وحالة الطرفين وحسن نية كل منهما ( م 931 ) .
  9. ويجوز للقاضي بناء على طلب المالك أن يقرر ما يراه مناسباً للوفاء بالمصروفات الضرورية والنافعة ، وله أن يقضي بأن يكون الوفاء على أقساط دورية ( م 982 ) .

ومن النصوص ما يجيز للقاضي أن يستكمل شروط العقد وان يعدل في الشروط المتفق عليها .

  1. فإذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد ، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، اعتبر العقد قد تم ، وإذا قام خلاف في المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فان المحكمة تفصل فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ( م 95 ) .
  2. وإذا اتفق على أجر للوكالة كان هذا الأجر خاضعا لتقدير القاضي ( م 709 فقرة 2 ) .
  3. وقد رأينا انه يجوز للقاضي في الاستغلال أن ينقص التزامات المتعاقد المغبون ( م 129 ) ،
  4. وان ينقص من العقد إذا كان في شق منه باطلا ( م 143 ) ،
  5. وان يحوله إلى عقد آخر توافرت أركانه إذا كان في الصورة التي هو عليها باطلا وتبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام العقد الآخر ( م 144 ) ،
  6. وان يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول في حالة الحوادث الطارئة ( م 147 فقرة 2 ) ،
  7. وان يعدل الشروط التعسفية في عقود الإذعان ( م 149 ) ،
  8. وان يقضي بالتعويض النقدي إذا كان التعويض العيني مرهقاً ( م 203 فقرة 2 ) ،
  9. وان يخفض التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي إذا كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ( م 224 فقرة 2 ) .

( [1] ) أنظر في هذا المعنى : ” القيود التعاقدية الواردة على حرية العمل – المعيار والقاعدة ” ، رسالة بالفرنسية للمؤلف ليون سنة 1925 . هذا ولا يجوز الاعتراض على فكرة المعيار المرن بالخشية من تحكم القاضي ، وبأن هذا التحكم ممتنع إذا تقيد القاضي بقاعدة ثابتة . ذلك أن القاضي لا يلبث إزاء القاعدة الجامدة التي أصبحت لا تلائم الظروف أن يخرج عليها ، فينطلق إلى مجال يكون فيه أكثر تحكماً مما لو كان أمامه معيار تشريعي مرن مفروض عليه أن يسترشد به .

اضغط للانضمام الى منتدى السنهوري